سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/2)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصِّور نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، إلى جانب صور أرشيفيَّة توثِّق تاريخ هذا السوق العتيق.
(2)
سوق أم درمان، الشَّيخ الكبير، والابن البارّ.
لا يمكن الحديث عن هذا السُّوق العتيق دون الحديث عن أمِّه الرَّؤوم، مدينة أم درمان، العاصمة الوطنيَّة، كما يعبِّر عنهَّا لسان الحال قبل ألسنة المريدين، والمدينة–الوطن كما أطلقتُ عليها داخل الفيلم.
نعم، ما برحت مدينة أم درمان تتوسَّد الضِّفَّة الغربيَّة للنِّيل منذ نشأتها قبل أكثر من قرن، وما انفكَّت تفترش عزَّة أهلها الأوفياء، وتلتحف بتاريخٍ وضيءٍ زادها مجداً وزادته ثراءً.
و في المقابل، لا يمكن الحديث عن مدينة أمدرمان دون الإشارة إلى سوقها العتيق، فهو يُشبهها في الصِّفات، ويقاربها في العُمر، إذ حَبِلَتْ به ما إن وُلِدَتْ، واحتضن – مثلها – على مرّتاريخه مختلف الدَّيانات والأعراق والثَّقافات.
تأسَّس سوق أم درمان العتيق قبل أعوام قليلة من قيام الدَّولة المهديَّة، وكان في بداياته عشوائيَّاً يفتقر إلى التَّنظيم.
ومع قيام الدَّولة المهديَّة عام 1885م، تمَّ تنظيم هذا السُّوق، ووُضِعَتْ له اللَّوائح المنظِّمة. لكن انطلاقته الحقيقيَّة كانت في عهد الخليفة عبد الله التَّعايشي، خليفة الإمام المهدي، الذي أعاد تنظيم السُّوق، وعيَّن عليه شيوخاً لإدارة شؤونه وتنظيمالعمل بداخله.
و قد تعاظمت مسؤوليَّة شيوخ السُّوق في ظلِّ الاستعمار البريطاني، لا سيَّما في عهد المفتش الإنجليزي الميجور جيمس جون برمبل، إذ خضع السُّوق حينها لقوانين بلديَّة أم درمان، التي خُصِّص لها جهاز شرطة ساعد وجوده في فرض تلك القوانين و تطبيقها.
و من أبرز ما قام به الميجور جيمس برمبل في تنظيم سوق أم درمان، اهتمامه بصحَّة بيئته، فضلاً عن تخصيصه لكلِّ حرفةٍمكاناً معلوماً.
سوق اللُّحوم والخضار:
بدأتُ زيارتي الاستكشافيَّة -السَّابقة لتصوير الفيلم- بسوق اللُّحوم والخضار، الذي يمثِّل النَّواة الأولى لسوق أم درمان؛ فقدوُلِدَ مع النَّشأة الأولى لهذه المدينة العريقة، ثمَّ ازدهر مع تطوُّرها.
ورغم أنَّني زرته في وقت مبكِّر نسبيَّاً من الصَّباح، فقد وجدته يمور بحركة الباعة والمشترين، ويغصُّ بمختلف أنواع اللُّحوم والخضار.
في الماضي كان جميع سكان أم درمان يقصدون هذا السُّوق لشراء احتياجاتهم من اللُّحوم؛ إذ لم تكن الجزارات قد انتشرت بعد وسط الأحياء.
ثمَّ، مع انتشار الجزارات في أحياء مدينة أم درمان في فترات لاحقة، انخفض الطَّلب على اللُّحوم في هذا السُّوق، غير أنَّه مالبث أن ارتفع ثانيةً نتيجة للتَّوسُّع الأفقي الكبير الذي شهدته المدينة.
نعم، تباينت مستويات حركة البيع والشِّراء في هذا السُّوق ارتفاعاً وانخفاضاً، لكن ظلَّ التَّرابط المتين الذي يتمتَّع به العاملون فيه محافظاً على ثباته في كلِّ مراحل عمره:
منذ لحظة تأسيسه، مروراً بفترة بابكر الكلس، الذي يصفه كثيرون بأنَّه أقدم شيخ للجزَّارين فيه، وانتهاءً بوقتنا الرَّاهن.
والحقُّ يُرى قبل أن يقال:
ظلَّ سوق أمدرمان، منذ نشأته الأولى، وبكلِّ فروعه، يتمتَّع بنشاطٍ تجاريٍّ حيويٍّ، وعلاقات إنسانيَّة دفيئة جعلت منه لوحة مبهرة تعقد بالدَّهشة لسان القريب قبل الغريب.
فإلى، إلى جانب المعاملات التِّجاريَّة المتعدِّدة، نسجت الحركة الاجتماعيَّة المتفرِّدة داخل هذا السُّوق خيوطاً من القبائل المحلِّيَّة والأجناس الوافدة، فأخرجت منها الإنسان الأم درماني المميَّزبأصالته، بل السُّوداني الأصيل، المتدثِّر بالقيم الفاضلة،والمتَّحصِّن بدروع التُّراث.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس


