من قلب الحصار إلى بوابة الإنطلاق: خارطة طريق سودانية لنسف القرار الإماراتي وتحقيق السيادة اللوجستية
د. حسين آدم حسين إيدام
في خطوة وصفها مراقبون بأنها تضييق للخناق الإقتصادي على بلد يئن تحت وطأة الحرب، جاء قرار موانئ أبوظبي بوقف شامل للتعاملات التجارية مع ميناء بورتسودان ليُمثل صدمة جديدة للإقتصاد السوداني. لكن خلف الصورة القاتمة لهذا القرار، تبرز رؤية إستراتيجية مغايرة؛ فرصة تاريخية يمكن للسودان أنْ يقتنصها ليُحول هذا التحدي الوجودي إلى نقطة إنطلاق نحو بسط سيادته الإقتصادية ورسم خريطة تجارية جديدة ومستقلة.
* أولاً: حراك دبلوماسي مضاد لتشكيل تحالف المرونة
أنْ الرد الأول والحاسم لا يجب أنّ يكون رد فعل، بل فعلاً إستباقياً. فبدلاً من البحث المتفرق عن موانئ بديلة، فإن المطلوب هو تحرك دبلوماسي عاجل وفوري لتشكيل “تحالف لوجستي” جديد. يجب على حكومة السودان إرسال وفود رفيعة المستوى إلى كل من المملكة العربية السعودية ومصر ليس فقط لطلب إستخدام ميناءي جدة والعين السخنة، بل للتفاوض على إنشاء “ممر تجاري أخضر” يضمن تدفقاً سريعاً للبضائع السودانية بإجراءات جمركية إستثنائية ورسوم تفضيلية.
على التوازي، يجب فتح قنوات إتصال إستراتيجية مع شركاء أبدوا إهتماماً تاريخياً بالسودان مثل تركيا وقطر. الهدف ليس مجرد الإستيراد والتصدير عبرهم، بل دعوتهم للإستثمار المباشر في تطوير الموانئ السودانية بعقود طويلة الأجل، مما يخلق إرتباطاً إستراتيجياً يُحصّن الإقتصاد السوداني من أي ضغوط سياسية مستقبلية.
* ثانياً: معركة بورتسودان للثورة الرقمية لإنهاء الشلل الداخلي
إنّ الأزمة الحقيقية لميناء بورتسودان لم تبدأ مع القرار الإماراتي، بل هي أزمة بنيوية متجذرة في البيروقراطية وضعف الكفاءة. وهنا تكمن الفرصة الذهبية. يجب على الحكومة إعلان حالة طوارئ لتطوير الميناء تحت مشروع وطني يحمل إسم السيادة اللوجستية.
يكمن مفتاح النجاح في تطبيق فوري لنظام “المجتمع المينائي” (Port Community System)؛ وهي منصة رقمية موحدة تُحدث ثورة في الأداء عبر ربط الجمارك والوكلاء وشركات النقل إلكترونياً. هذا الإجراء وحده قادر على زيادة كفاءة الميناء بأكثر من 50%، وإجتثاث الفساد، وجعل الميناء جاذباً لخطوط الملاحة العالمية التي كانت تتجنبه. ولتمويل هذا المشروع، نعيد مناشداتنا بضرورة إنشاء “الصندوق السيادي للذهب للتنمية المستدامة”، (يُغذى كذلك من عائدات الصادرات) وتخصيص جزء من ريعه لتطوير الموانئ ويمكن فتح الباب لمساهمات القطاع الخاص والمغتربين، ليكون الصندوق رمزاً للإرادة الوطنية.
* ثالثاً: تحصين الجبهة الداخلية وحماية المواطن
بينما تدور رحى المعارك الدبلوماسية واللوجستية، يجب على الدولة بناء درع لحماية مواطنيها وتجارها. يمكن تحقيق ذلك عبر شركة تأمين بحرية وطنية لمواجهة الارتفاع الجنوني المتوقع في تكاليف التأمين، وتقديم دعم مالي مؤقت للمستوردين لتغطية فرق تكاليف الشحن عبر الموانئ الجديدة، لضمان عدم وصول الأزمة إلى مائدة المواطن البسيط.
* نحو مستقبل متعدد البوابات
الدرس الأكبر من هذه الأزمة هو الكُلفة الباهظة للإعتماد على شريان واحد. لقد حان الوقت للانتقال فوراً من مرحلة الدراسات إلى مرحلة التنفيذ في مشروع لإعادة إحياء ميناء سواكن، وتخصيصه لأنواع معينة من البضائع لتخفيف الضغط عن بورتسودان وخلق مرونة إستراتيجية.
ختاماً:
قد يكونٌ القرار الإماراتي، رغم قسوته، هو شرارة الصحوة التي كان السودان يحتاجها للتحرر من الإعتماد على وسطاء إقليميين، والنظر بجدية إلى مكامن ضعفه الداخلي. الكرة الآن في ملعب الدولة السودانية، فإما أنْ ترضخ للتداعيات، أو أنْ تنهض لتُحول هذا الحصار إلى أعظم فرصة لبناء إقتصاد قوي وبنية تحتية سيادية، لتُثبت للعالم أنّ الأُمم العظيمة تُولد من رحم الأزمات.
د. حسين آدم حسين إيدام
إحصائي ومحلل بيانات وباحث إقتصادي

