أهو كلام والسلام
ما أشبه الليلة بالبارحة
فؤاد قباني
قال لي من أثق في حديثه، وهو من مستشاري الزعيم رحمهما الله جميعاً، إن السيد قد طلبه على عجل، لأن هناك مسودة مذكرة قُدمت من السيد الآخر للاتفاق على تمرير قرار في البرلمان. قال: قرأت المذكرة، فلم أجد عليها غباراً؛ فهي نفس رأي الحزب. لكن السيد قال: ما رأيناه أن يحصل تعديل في الصياغة وبعض الإضافات. وقال محدثي: هذه هي السياسة ودهاليزها، حتى لا يكونوا هم أصحاب الرأي الغالب. وبعدها بأيام جاءت الإنقاذ.
كثيرون وقفوا مع الإنقاذ، والإنقاذ – حتى لا نظلمها – أعطت في بدايتها ولم تبخل، ولكن كلما خطت خطوة كان هناك من يجرها إلى الخلف، إلى أن جاءت الطامة الكبرى، وتفاصل الأحباب وتفاسلوا، وأصبح الكل يجري ويلهث خلف المال والمكاسب. وهنا ظهرت أحزاب واختفت أخرى، وكل شيء أصبح يُباع ويُشترى.
ما إن أعلن السيد الفريق عن بداية الشروع في الترشيحات للمجلس الوطني، إلا وأشرأبت بعض الرؤوس، أفراداً وأحزاباً، بنفس تشكيلاتها القديمة وشرهها للحكم والسلطة، تعرض نفسها بلا خجل ولا استحياء ولا وخز ضمير، كأنها لم تشارك في تدمير البلاد وخرابها، ووصولها إلى ما وصلت إليه من فساد ومحسوبية، وتسلط على رقاب العباد، وأكل أموال الشعب بغير حق، ونهب ثرواته.
السؤال الكبير الذي يشغل الخبراء والمفكرين: كيف يُحكم السودان؟ هل يُحكم بنظام جمهوري رئاسي، أم نظام جمهوري برلماني، أم نظام شمولي، أم غيره من الأنظمة الكثيرة المتعددة؟
وما يشغل المفكرين والعلماء وأهل الرأي والبصيرة في بلادي: كيف يُدار الاقتصاد في السودان؟ وكيف نستفيد من مواردنا، ويستفيد منها غيرنا من الجيران والعالم أجمع، دون أن نفرط في حقوقنا وسيادتنا، ودون أن نفرط في أمننا القومي وإدارة الدولة ومؤسساتها؟
وكل هذا وذاك لا يشغل سادتنا وأحزابنا، فلا همّ لهم غير الكراسي والوصول إلى السلطة، ولو طال بهم المسير.
لن يكون هناك سودان إلا إذا تنازل الذين يطمعون في السلطة، من أحزاب وحركات مسلحة، عن أطماعهم الشخصية، وضحّوا من أجل السودان، ونظروا إلى المستقبل الذي ينتظرهم وينتظر السودان في القريب العاجل. وذلك لا يكون إلا بالصبر والتكاتف؛ فعلينا نكران الذات، وعدم الانشغال بالأنا وحب النفس، وأن نفكر في مستقبل البلاد والعباد.
ما يريده محمد أحمد الغلبان، الصابر على المحن والكوارث وظلم الحكام والتغبيش والتهميش، هو فترة انتقالية، وحكومة قوية تمسك بلجام الأمور بحزم وقوة، تقوم على العدل وإزالة الضيم والغبن عن المواطن المغلوب على أمره، وإعادة الحقوق المنهوبة والمسلوبة، وكل ما أُخذ بباطل وبغير حق.
وبرلمان من العلماء والخبراء، قادة الفكر والرأي، ومن الساسة الذين شهد لهم بالنزاهة والتجرد من الذات وحب النفس، لضبط إيقاع السلطة، والشروع في التخطيط لمقبل الأيام الزواهر لبلدٍ هدّه وأنهكه التعب من أفعال بنيه.
كل ذلك ممكن، سيدي الرئيس، فقط عليك أن تواجه الفساد والمفسدين بالقوة والحزم، وأن نتفق ونتحد على كلمة سواء: السودان أولاً، ودونه المهج والأرواح. وأقول لكم: استووا يرحمكم الله.

