اقتصاد السودان بين واقع الأزمة و آفاق النهضة
( مشروع وطني متكامل لتمكين ريادة الأعمال و الابداع)
بقلم مستشار : أحمد حسن الفادني
في بداية اي مقال نكتبه نعدد موارد السودان و ايضا نحدد أيضا الأزمات الاقتصادية و لكن هذا المقال يختلف لأن القاصي و الداني يعرف تماما ما يواجه الاقتصاد السوداني تحديات و أزمات ولكن هذه المرة سوف نتحدث عن تحديات هيكلية عميقة و التي تجعله نموذجا للاقتصاد المعقد في مرحلة ما بعد الحرب ، حيث تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تضخم فائق تجاوز 300% في بعض الفترات وتراجع حاد في قيمة العملة الوطنية وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى أكثر من 8% وفق تقديرات دولية، ولكن الأرقام وحدها لا تصف تماما حجم المعاناة المجتمعية الناتجة عن تفكك البنية الإنتاجية وتراجع القطاعات الإستراتيجية ، فالمعضلة الأساسية تكمن في الاعتماد المفرط على القطاع النفطي سابقا وضعف التنويع الاقتصادي وهيمنة القطاع غير الرسمي الذي يشكل أكثر من 65% من النشاط الاقتصادي، كما يعاني السودان من عزلة مالية دولية وتراكم الديون الخارجية وضعف البنية التحتية الداعمة للإنتاج. هذه العوامل مجتمعة خلقت فجوة تمويلية هائلة وبيئة غير جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر و هجرة العقول والكفاءات السودانية. ولهذا نتطرق في مقالات السابقة و الحالية و المستقبلية إن شاء الله عن ريادة الأعمال.
ريادة الأعمال قاطرة التغيير الاقتصادي الممكنة:
في خضم هذا المشهد الاقتصادي القاتم تظهر ريادة الأعمال كخيار استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصاد السوداني من قاعدته، فالتجارب العالمية تؤكد أن اقتصادات ما بعد الأزمات تحتاج إلى آليات مرنة وسريعة الاستجابة وهذا ما توفره منظومة ريادة الأعمال الناشئة ،فالميزة النسبية للسودان في هذا المجال تتمثل في عدة عوامل:
1. شريحة شبابية تشكل أكثر من 60% من السكان
2. موارد طبيعية وزراعية هائلة غير مستغلة بشكل كاف
3. تراث من الابتكار المجتمعي في مواجهة التحديات
4. انتشار الثقافة الريادية بين الشباب رغم التحديات.
تجارب دولية ملهمة دروس للمستقبل:
تقدم عدة تجارب عالمية نماذج عملية يمكن الاستفادة منها على سبيل المثال :
1. التجربة الماليزية: نجحت ماليزيا في تحويل اقتصادها من الاعتماد على الموارد الأولية إلى اقتصاد المعرفة من خلال برنامج وادي ماليزيا للسيليكون الذي دعم أكثر من 3000 شركة ناشئة في مجال التقنية، فالماليزيون أدركوا مبكرا أن الابتكار لا ينتظر استقرار كل الظروف يمكن أن يكون محركا للاستقرار نفسه.
2. التجربة الرواندية: بعد الإبادة الجماعية و الحروب الاهلية بنت رواندا أحد أكثر النظم دعما لريادة الأعمال في أفريقيا من خلال إنشاء هيئة تطوير رواندا التي وفرت بيئة تنظيمية مبسطة وحوافز ضريبية وبنية تحتية تقنية. اليوم، تعتبر رواندا مركزا للابتكار المالي والتقني في المنطقة.
3. التجربة التشيلية: في تسعينيات القرن الماضي حولت تشيلي نفسها إلى نمر اقتصادي بأمريكا اللاتينية من خلال التركيز على الابتكار وريادة الأعمال. أنشأت تشيلي برنامج ابتكار تشيلي الذي دمج بين التمويل العام والخاص وركز على قطاعات إستراتيجية مثل التعدين المتطور والزراعة الذكية والطاقة المتجددة و الأهم أن تشيلي طورت نظاما لربط الجامعات بمراكز الأبحاث والقطاع الخاص مما حول الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق عالميا.
مؤسسة وطنية للإبداع والابتكار … رؤية مؤسسية متكاملة
المقترح العملي يتمثل في إنشاء المؤسسة الوطنية للإبداع والابتكار وريادة الأعمال كهيكل مستقل ذي صلاحيات واسعة، يعمل على:
أولا: تطوير نظام وطني متكامل لدعم الرياديين يشمل:
1. حاضنات أعمال قطاعية في الزراعة والتقنية والصناعات التحويلية.
2. صندوق تمويل مختلط (عام/خاص/دولي) برأس مال أولي مستدام.
3. منصة قانونية سريعة لتسجيل الشركات الناشئة وحمايتها
ثانيا: بناء شراكات استراتيجية مع:
1. الجامعات السودانية لتحويل الأبحاث إلى مشاريع تجارية.
2. القطاع الخاص التقليدي لتبني الابتكارات الناشئة.
3. مؤسسات التمويل الدولية المتخصصة في دعم المشاريع الريادية
ثالثا: تصميم برامج متخصصة لدعم:
1. المشاريع القائمة على الموارد المحلية (الصمغ العربي، الثروة الحيوانية، المنتجات الزراعية).
2. حلول تقنية لمشكلات المجتمع السوداني المحددة.
3. مشاريع التصنيع المحلي البديل للاستيراد
دور الدولة التمكيني … من الرقابة إلى التمكين
يتطلب النجاح تحولا جذريا في دور الدولة من مسيطر إلى ميسر ومنظم وهذا يشمل:
1. الإصلاح التشريعي: عبر سن قانون خاص بريادة الأعمال يسهل إجراءات التأسيس ويوفر حماية للملكية الفكرية ويضمن تحويل الأبحاث الأكاديمية إلى شركات.
2. الحوافز المالية: من خلال إعفاءات ضريبية متدرجة للشركات الناشئة وتسهيل الوصول للتمويل المصرفي وضمان جزئي للمخاطر.
3. البنية التحتية: عبر إنشاء مناطق اقتصادية خاصة للشركات الناشئة مع خدمات شاملة واتصال إنترنت عالي السرعة.
4. التعليم الريادي: بإدخال مناهج ريادة الأعمال في المراحل التعليمية المختلفة وتأسيس أكاديمية وطنية متخصصة في التدريب الريادي.
مجموعات ريادة الأعمال … محركات التحول المجتمعي:
المقترح العملي الأكثر فاعلية هو تشجيع تكوين مجموعات ريادة الأعمال المتخصصة في قطاعات إستراتيجية مثل:
1. مجموعات الريادة الزراعية: للاستفادة من الأراضي الشاسعة والمياه عبر تقنيات الري الحديثة والتسويق الرقمي للمنتجات.
2. مجموعات ريادة التصنيع الغذائي: لتحويل المنتجات الزراعية إلى سلع مصنعة ذات قيمة مضافة.
3. مجموعات ريادة التقنية المالية: لتطوير حلول دفع وتمويل تناسب الواقع السوداني.
4. مجموعات ريادة الطاقة المتجددة: للاستفادة من الطاقة الشمسية الهائلة في السودان.
خارطة طريق عملية
المرحلة الأولى و التي تتضمن الآتي
1. إنشاء المؤسسة الوطنية للإبداع والابتكار
2. إطلاق ثلاث حاضنات ومسرعات أعمال في قطاعات ذات أولوية.
3. تدريب 500 شاب ريادي على مهارات تأسيس الشركات
المرحلة الثانية و التي تتضمن الآتي:
1. توسيع شبكة الحاضنات لتشمل 10 قطاعات.
2. تمويل 200 مشروع ريادي واعد.
3. إنشاء أول صندوق استثماري متخصص في الشركات الناشئة
المرحلة الثالثة و التي تعد المرحلة الأطول زمنا و اكثر مجهودا و تتضمن :
1. تحويل السودان إلى مركز إقليمي لريادة الأعمال في مجالات الزراعة والتقنية من خلال برامج مؤسسية طويلة المدى.
2. تحقيق مساهمة واضحة لقطاع الريادة في الناتج المحلي الإجمالي.
3. تصدير نماذج ريادية سودانية إلى الأسواق الإقليمية
اقتصاد المقاومة والإبداع:
الخروج من النفق الاقتصادي الطويل يتطلب شجاعة في تبني نماذج جديدة لريادة الأعمال التي تعد ضرورة حتمية لإعادة البناء من الأسفل و توفير فرص للملايين وتحويل التحديات إلى فرص، فالسودان يمتلك المقومات البشرية والمادية لقيام نهضة ريادية حقيقية لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية داعمة ورؤية استراتيجية واضحة وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، فالنجاح في هذا المسار لن يحل فقط مشكلات الاقتصاد الكلي انما سيعيد بناء النسيج الاجتماعي عبر تمكين الشباب وإطلاق طاقاتهم الإبداعية.
الوقت ليس مبكرا ولا متأخرا لبدء هذه الرحلة فالبداية تكون بقرار والاستمرار بإرادة والنجاح بشراكة مجتمعية تعيد للسودان مكانته الاقتصادية التي يستحقها.
(فنحن شعب يستحق الأفضل)

