السودان .. إدارة المرحلة وصناعة الغد
كتبت / إيثار عبدالحميد
لا تُدار الحروب في ميادين القتال وحدها، بل تُحسم أيضاً داخل مؤسسات الدولة، وفي قدرة الحكومات على المحافظة على تماسك الجبهة الداخلية، واستمرار تقديم الخدمات، وتحقيق الاستقرار، وإدارة الموارد بكفاءة وفاعلية فالقوة العسكرية تحتاج دائماً إلى سند وطني متكامل يجعل الإنجازات الميدانية أكثر رسوخاً، ويهيئ الأرضية الصلبة للانتصار والإستقرار وبناء المستقبل
إن إدارة المعركة بمفهومها الشامل تعني بناء منظومة وطنية متكاملة تشارك فيها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام والجامعات ومراكز البحوث والكوادر الوطنية، بحيث تتكامل الأدوار وتتوزع المسؤوليات وفق رؤية استراتيجية واضحة، وأهداف محددة، وأولويات تفرضها طبيعة المرحلة فنجاح الحكومة في أداء واجباتها، واستمرار المؤسسات في تقديم خدماتها، وتعزيز ثقة المواطن في دولته، يمثل السند الحقيقي للقوات المقاتلة، ويحول الإنجازات العسكرية إلى مكاسب وطنية مستدامة
لقد خلفت الحرب خسائر كبيرة في الأرواح والبنية التحتية والاقتصاد والنسيج الاجتماعي، كما تركت آثاراً إنسانية عميقة وانتهاكات تحتاج إلى معالجة شاملة، تقوم على إعادة الإعمار، وجبر الضرر، وتعويض المتضررين، وإعادة بناء الثقة، ورتق النسيج المجتمعي، بما يحقق الاستقرار ويؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز آثار الحرب وتفتح آفاق المستقبل
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإدارة وطنية واعية تضع إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في مقدمة أولوياتها، من خلال إصلاح مؤسسات الدولة، وتفعيل الإدارة الرشيدة، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة الخدمات الأساسية، وتحريك عجلة الاقتصاد والإنتاج، حتى تصبح الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص
إن استعادة التوازن الوطني تبدأ بوضع رؤية موحدة تتفق عليها مؤسسات الدولة، تقوم على تحديد الأولويات، وإعادة ترتيب الملفات وفق احتياجات المرحلة، والانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى إدارة التعافي وبناء المستقبل فكل مرحلة تحتاج إلى أدواتها، وكل تحدٍ يحتاج إلى قرار في توقيته المناسب، وكل نجاح يحتاج إلى إدارة تعرف كيف توظف الإمكانات وتنسق بين الجهود
وتبدأ الخطوة الأولى بإعادة تشغيل مؤسسات الدولة بكامل طاقتها، واستعادة الخدمات الأساسية، وتأمين عودة المواطنين إلى مناطقهم، وتهيئة البيئة المناسبة للإنتاج والاستثمار، مع إطلاق برامج عاجلة لإعادة الإعمار، وتعويض المتضررين، ودعم الفئات الأكثر تأثراً بالحرب، حتى يشعر المواطن بأن الدولة استعادت قدرتها على الإنجاز وحماية مصالحه
وفي الوقت نفسه، ينبغي تفعيل الإدارة الاستراتيجية القائمة على التنسيق بين الحكومة والولايات والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع، بحيث يعمل الجميع وفق خطة وطنية موحدة، تتكامل فيها الأدوار، وتتحدد المسؤوليات، وتخضع جميع البرامج لآليات واضحة للمتابعة وقياس الأداء والمحاسبة، لأن نجاح أي دولة في مرحلة التعافي يعتمد على قوة التنسيق أكثر من اعتماده على كثرة الإمكانات
ويمتلك السودان من المقومات ما يؤهله للنهوض سريعاً إذا أُحسن استثمارها فهو من أغنى الدول بالموارد الطبيعية من أراضٍ زراعية ومياه وثروات معدنية وحيوانية، إضافة إلى موارده البشرية التي تمتلك الخبرات والكفاءات والإرادة والقدرة على البناء وما يحتاجه السودان اليوم ليس البحث عن الموارد، وإنما حسن إدارتها، والتخطيط العلمي لاستثمارها، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، وتوزيع الأدوار وفق الكفاءة والاختصاص، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب
كما يمثل الإعلام الوطني شريكاً أساسياً في هذه المرحلة، من خلال نشر الوعي، وتعزيز الثقة، ودعم الروح الوطنية، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، وإبراز قصص النجاح، ومواجهة الشائعات، وتوحيد الخطاب الوطني، بما يسهم في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية، ويجعل المجتمع شريكاً حقيقياً في عملية التعافي وإعادة البناء
إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على مفهوم إدارة الدولة بروح الإنجاز لا بروح إدارة الأزمة فقط، لأن استمرار الحياة، وعودة الإنتاج، واستعادة ثقة المواطن، وجذب الاستثمارات، وإطلاق مشاريع التنمية، كلها تشكل جزءاً من معركة بناء الدولة، وهي معركة لا تقل أهمية عن أي جهد يُبذل في الميدان
إن الصعود نحو مستقبل أكثر إشراقاً ليس رهناً بالإمكانات وحدها، بل بقدرة الدولة على إدارة تلك الإمكانات بكفاءة، وتحويلها إلى مشاريع وإنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وعندما تتكامل الإرادة السياسية مع الإدارة الرشيدة، وتُوزع الأدوار بوضوح، ويصبح الإنجاز معيار الأداء، فإن السودان سيكون قادراً على تجاوز آثار الحرب، واستعادة توازنه، وتحويل الخسائر إلى نقطة انطلاق نحو نهضة وطنية شاملة
إن السودان ما زال دولة غنية بإمكاناتها، قوية بمواردها، وقادرة على صناعة مستقبلها إذا توحدت الإرادة، وتكاملت المؤسسات، وحسن التخطيط، وأُحسن استثمار كل الممكن والمتاح وعندها ستكون إدارة المعركة قد تجاوزت حدود المواجهة العسكرية إلى معركة بناء الدولة، واستعادة قوتها، وترسيخ صمودها، لتصبح المرحلة القادمة بوابة لعبور السودان نحو مستقبل أكثر استقراراً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر قدرة على تحقيق تطلعات شعبه في الأمن والتنمية والكرامة الوطنية .

